ابن عربي
104
مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية
ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أبوابا في مقابلة ما على وجه المرآة من الصدأ . تسمى أبواب المشيئة ، فعلى قدر ما تكون الصقالة يكون التجلي ، وعلى قدر ما يفتح من الأبواب يكون الكشف . فليس كل مرآة مجلوة يكشف لها ، لكنها معدة لقبول الصور . كذلك ليس كل من سلك هذا الطريق يكشف له . قد يدخر له إلى يوم القيامة أعني قيامته ، كما تدخر المرآة المحسوسة ليوم ما ، أو لأي معنى صقلت ، أو لأي فائدة وجدت . لكن يلوح لها بوارق من المطلوب ، وإن كانت لا تخلى عن صورة لكن الصور التي قصدنا في هذا الباب صور مخصوصة انفردت بها مرآة أهل الحقائق . فإذا رقيت إلى هذه المنازل ، واطلعت على هذه المقامات ، صارت الغيوب مشاهدة في حقك : أعني غيوب ما بطن في ظاهر علوم الدين ، لا في يجيء فلان ، وزنى فلان . فإن تلك مكاشفات السالكين ، وإن تشوش عليك خاطرك ، ولم ترزق الإيمان بهذه المقام ، فقد أجرى اللّه لك في ظاهر الكون مثالا ترتقي به إلى ما ذكرناه ، وهي المرآة المحسوسة تتجلى فيها صور المحسوسات على قدر صقالتها وجلائها . وقد نبه على ذلك سيد البشر ( صلى اللّه عليه وسلم ) حيث قال : ( إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد . قيل : فما جلاؤها ؟ قال : ( صلى اللّه عليه وسلم ) : ذكر اللّه وتلاوة القرآن ) « 1 »
--> - المحمودية إلى منهج السادة الصوفية ص 48 ، وقد أورد القاشاني في معجمه : إن الصوفي إنما سمي صوفيا لأنه في الصف الأول عند اللّه تعالى . بارتفاع همته ، وإقباله على ربه بقلبه ، ووقوفه بسريرته بين يديه ، وأنه هو الذي اتصف بصفة الصفوة من عباد اللّه تعالى . وبالجملة فهو صاحب الأخلاق الصافية من الأدناس . انظر القاشاني : لطائف الإعلام . معجم المصطلحات والإشارات الصوفية 2 / 70 . ( 1 ) حديث : ( إن القلوب لتصدا كما يصدا الحديد ) . أخبرنا سهل بن أبي بكر الشجاعي ثنا محمد بن الحسين الصوفي ثنا حامد بن محمد الرفاء ثنا محمد بن صالح وعثمان ثنا عبد اللّه بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع عن ابن عمر